محمد متولي الشعراوي

10379

تفسير الشعراوي

وكانوا يتخبّطون في هذه المسائل تخبُّط مَنْ لا يعرف فيها حقيقة ، وإنما غرضه فقط أنْ يتعرّض لرسول الله في أمر دعوته ، والتعرُّض لأيِّ نبيِّ في أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي ؛ لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري الفساد . وسبق أنْ قُلْنا : إن الحق سبحانه وتعالى جعل في كل نفس ملَكةً تجعل الإنسان يفعل شيئاً ، ثم تأتي ملَكة أخرى فيه لتلومه على ذلك ، حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويُسمُّونها النفس اللوَّامة ، لكن قد تنطمس فيه هذه الملَكة ، فتتعاون كل مَلَكاته على الشر ، بحيث تكون النفس بكل مَلَكاتها أمّارة بالسوء ، وهي أمَّارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي : أنها أخذْت هذا الأمر حِرْفةً لها . كما لو رأيت رجلاً يَنْجُر في قطعة من الخشب تقول له : ناجر ، فإنِ اتخذها حرفةً له ، لا يعمل إلا هي ، تقول له : نجار ، ومثله : خائط وخيّاط . فالمعنى : أمّارة يعني : لم يَعُدْ لها عمل في أن تردع عن الشر ، بل دائماً تُقوِّي نوازع الشر في النفس ، وتتأصل فيها تصير لها حرفة . فماذا يكون الموقف إذن ؟ لا بُدَّ أنْ يجعل الحق سبحانه في نفوس قوم آخرين مَلَكة الخير ليواجهوا أصحاب هذه الأنفس الأمّارة بالسوء ، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة ، ويصرفونهم عن الشر إلى الخير . فإذا ما فسد المجتمع كله ، لا نفسٌ مانعة ، ولا مجتمعٌ مانع ، فلا بُدَّ أنْ تتدخّل السماء برسول جديد . ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن تكون فيها النفس اللوامة ، وضمن لها أنْ يظل مجتمعها آمراً بالمعروف ،